صديق الحسيني القنوجي البخاري
301
فتح البيان في مقاصد القرآن
بالرفع على أنه خبر مقدم وظلالها مبتدأ مؤخر ، والجملة في محل نصب على الحال ، والمعنى أن ظلال الأشجار قريبة منهم مظلة عليهم ، زيادة في نعيمهم وإن كان لا شمس هنالك ، قال مقاتل : يعني شجرها قريب منهم ، وقرأ ابن مسعود ودانيا عليهم قال البراء بن عازب : دانية قريبة . وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا معطوف على دانية كأنه قال ومذللة ، ويجوز أن تكون الجملة في محل نصب على الحال من الضمير في عَلَيْهِمْ ويجوز أن تكون مستأنفة ، والقطوف الثمار جمع قطف بالكسر وهو العنقود . والمعنى أنها سخرت ثمارها لمتناوليها تسخيرا كثيرا بحيث يتناولها القائم والقاعد ، والمضطجع والمتكىء ، ولا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك ، قال النحاس المذلل القريب التناول ، ومنه قولهم حائط ذليل أي قصير ، قال ابن قتيبة ذللت أدنيت من قولهم حائط ذليل إذا كان قصير السمك وقيل ذللت أي جعلت منقادة لا تمتنع على قطافها كيف شاؤوا . عن البراء بن عازب قال إن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياما وقعودا ومضطجعين وعلى أي حال شاؤوا وفي لفظ قال ذللت فيتناولون منها كيف شاؤوا . ولما وصف تعالى طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف شرابهم بقوله : وَيُطافُ عَلَيْهِمْ وقال هنا يطاف وفيما بعد يطوف لأن المقصود في الأول ما يطاف به لا الطائفون بقرينة قوله : بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ والمقصود في الثاني الطائفون ، فذكر في كل منهما ما يناسبه كما أشار إليه في التقرير ، والمعنى يدور عليهم الخدم إذا أرادوا الشراب بآنية الفضة ، والآنية جمع إناء والأصل أأنية بهمزتين الأولى مزيدة للجمع ، والثانية فاء الكلمة فقلبت الثانية ألفا وجوبا ، وهذا نظير كساء وأكسية وغطاء وأغطية ونظيره في الصحيح اللام حمار وأحمرة قاله السمين وهو وعاء الماء . والأكواب جمع كوب وهو الكوز العظيم والإبريق الذي لا أذن له ولا عروة ، وهو من عطف الخاص على العام ، ولم تنف الآية آنية الذهب ، بل نبه سبحانه بذكر أحدهما على الآخر كقوله : تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] والمعنى قد يسقون في أواني الفضة ، وقد يسقون في أواني الذهب وقد مضى تفسيره في سورة الزخرف . كانَتْ قَوارِيرَا بتكوين اللّه تعالى تفخيما لتلك الخلقة العجيبة الشأن الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين وكذا كان مزاجها كافورا . قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ أي في وصف القوارير في الصفاء وفي بياض الفضة ، فصفاؤها صفاء الزجاج ولونها الفضة ، قال ابن عباس آنية من فضة وصفاؤها كصفاء القوارير ، وعنه قال ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء إذ الذي في الجنة أشرف وأعلى .